القاسم بن إبراهيم الرسي

102

مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي

المخلوق والخالق أمدا بعيدا ، وأن الخالق لا يشبه شيئا من خلقه ، لا في ذاته ، ولا في صفاته . وقد وصف اللّه عز وجل نفسه بصفات كثيرة ، من الصعب إدراك حقيقتها على النحو الذي ندرك به أمورنا المعتادة ، بل هذا مستحيل ! من أين للتّافه أن يعرف كنه العظيم ؟ إن النملة لا تعرف حقيقة الإنسان ، فحدود عالمها الذي تعيش فيه تقفها دون ذلك . والطفل - في المرحلة الأولى من عمره - لا يعرف ما هي الرجولة ، ولا ما يصحبها من سعة عقل ، واستحكام إدراك . بل إن الإنسان عاجز عن إدراك حقيقة الوجود المادي الذي يعيش فيه ، فكيف يعرف ما وراءه من غيوب ؟ إذا قيل : إن اللّه يسمع ، فليس ذاك بأذن كآذاننا . أو يرى ، فليس ذلك بعين كأعيننا . وإذا قيل : إنه بنى السماء ، فليس على النحو المألوف من تكليف بناة واستحضار أدوات . وإذا قيل : يده فوق أيدينا ، فليس الوصف لجارحة كأعضائنا . والذي نوقن به ابتداء ، أن صفات المحدثين وأحوالهم لا يجوز أن تنسب إلى اللّه ، فهو - سبحانه وتعالى - غير مخلوقاته . وشأن الألوهية أسمى مما تتصور الأذهان الكليلة والعقول القاصرة . وقد وردت في الوحي الكريم كلمات عن الوجه ، واليدين ، والأعين والاستواء على العرش ، والنزول إلى السماء ، والقرب من العباد . . . إلخ ، حاول كثير من المسلمين استكناه دلالتها واستكشاف حقيقتها ، فلم يرجعوا إلا بالحيرة . حتى قال قائلهم : نهاية إقدام العقول عقال * وآخر سعي العالمين ضلال ! ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا * سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا ! وكم من جبال قد علا شرفاتها * رجال فبادوا والجبال جبال ! ولا غرو ، فإن البحث عبث فيما لا يملك المرء وسائل الخوض فيه .